مقالات مختارة
«الدجّال» إيلون ماسك... حرية التعبير à la carte
رضا صوايا- صحيفة "الأخبار"
حين استحوذ إيلون ماسك على تويتر في عام 2022، قدّم نفسه كنصير وحامل لواء الديموقراطية وحرية التعبير المتحررة من أي قيود وضوابط، رافضاً حذف أي منشور ما لم يكن «مخالفاً للقانون».
لكن، منذ ذلك الحين، وأفعال ماسك تناقض أقواله، إلى حد أنّه لم يكتف بالرضوخ لطلبات عدد من الحكومات لقمع محتوى معارضيها، بل بات شخصياً من القامعين لكل منشور لا يناسبه ويتعرض له، ولو على منصات ومواقع لا يملكها.
قبل أيام، نشر موقع The Verge خبراً عن تواصل ماسك مع ستيف هوفمان، الرئيس التنفيذي لشركة Reddit، طالباً منه حذف محتوى عن المنصة يتناول موظفي وزارة الكفاءة الأميركية التي يرأسها والمعروفة بـ DOGE. بعد مدة وجيزة من تبادل الرسائل بين الرجلين، حذفت Reddit المحتوى، كما حظرت الصفحة الفرعية التي بدأ فيها الموضوع، r/WhitePeopleTwitter، لمدة 72 ساعة. للأمانة، فالمحتوى الذي طالب ماسك بحذفه واعتبره «مخالفاً للقانون»، تضمن تهديدات عنيفة بحق موظفي الوزارة، تتعدى أي حرية للتعبير.
لكن حساسية ماسك مع المحتوى العنفي ليست مطلقة. في العام الماضي، هاجم الحكومة الأسترالية، متهماً إياها بفرض رقابة على المحتوى بعدما حكم قاض أسترالي بأن منصّته X يجب أن تمنع المستخدمين في جميع أنحاء العالم من الوصول إلى مقطع فيديو يظهر عملية طعن تعرّض لها أسقف في إحدى كنائس سيدني.
ووصل الأمر بماسك إلى حد الإعلان بأنّ X ستلجأ إلى القضاء منعاً لحجب فيديو عملية الطعن. حينها، رد رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز على ماسك بعنف قائلاً «سنفعل ما يلزم لمواجهة هذا الملياردير المتغطرس الذي يظنّ نفسه فوق القانون، بل فوق الأخلاق الحميدة أيضاً». وأضاف إنّ «فكرة لجوء أحدهم إلى المحكمة من أجل نشر محتوى عنيف على منصة يُظهر مدى بُعد السيد ماسك عن الواقع.
يجب أن تتحلى وسائل التواصل الاجتماعي بالمسؤولية الاجتماعية». وفي شباط (فبراير) المنصرم، امتثلت X لطلب للحكومة التركية بحظر عشرات الحسابات في البلاد، بما في ذلك حسابات عدد من الصحافيين البارزين ووسائل الإعلام.
وكانت محكمة جنائية في أنقرة قد وافقت في 5 شباط على حظر الوصول إلى 126 حساباً بناءً على طلب الحكومة بدعوى «حماية الأمن القومي والنظام العام». ووفقاً لموقع «ميدل إيست آي»، فإنّ من بين أبرز المواقع الإعلامية المحظورة في البلاد، موقعا «أرتي غيرسيك» و«يني ياسام» اليساريان، ووكالة أنباء «ميزوبوتاميا» (MA) المؤيدة للأكراد، وموقع «جين نيوز» الكردي المتخصص في شؤون المرأة.
ومن بين الصحافيين المحظورين هايكو بغدات المقيم في برلين الذي يملك أكثر من مليون متابع على X، والصحافي المستقلّ متين جيهان الذي ركّز على العلاقات التجارية بين تركيا والكيان العبري خلال حرب غزة.
في هذا السياق، كشف تحقيق لصحيفة «واشنطن بوست» العام الماضي أنّه بعد استحواذ ماسك على إكس، «استجاب للطلبات الحكومية بإزالة محتوى المستخدم أو حجبه بمعدل أعلى بكثير مما كان عليه في السنوات التي سبقت شراءه عام 2022.
وقد استجابت إكس لـ 71 في المئة من الطلبات القانونية التي تلقّتها لإزالة المحتوى في النصف الأول من هذا العام، بزيادة قدرها 20 في المئة عن آخر مرة أبلغ فيها عن الرقم في عام 2021 وأكثر من ضعف المعدل في السنوات السابقة».
ووفقاً للتحقيق، فإن نسبة الاستجابة مرتفعة جداً، إذ «اتخذت X إجراءات في 68 في المئة من الحالات التي طلبتها تركيا، و73 في المئة من تلك التي طلبتها كوريا الجنوبية، و79 في المئة من تلك التي طلبتها اليابان، و80 في المئة من تلك التي طلبها الاتحاد الأوروبي».
بعد شهر من رضوخه لطلب الحكومة التركية، أي في آذار (مارس) المنصرم، رفع ماسك راية حرية التعبير في وجه الحكومة الهندية عبر دعوى رفعتها إكس بحجة أنّ «الحكومة الهندية وسّعت من سلطاتها الرقابية بشكل غير قانوني، ما أعطى عدداً لا يحصى من المسؤولين الحكوميين القدرة على المطالبة بإزالة المحتوى عبر الإنترنت بسهولة أكبر».
تناقضات ماسك لا تنتهي! في المدة نفسها التي رفع فيها دعوى على الحكومة الهندية صوناً لحرية التعبير، لاحظ مستخدمو إكس أنّ «غروك 3» Grok 3 وهو نموذج الذكاء الاصطناعي الذي طورته شركة xAI التابعة لإيلون ماسك، قد تم توجيهه لمراقبة الانتقادات الموجهة إلى إيلون ماسك ودونالد ترامب.
بدأت القصة مع محادثة تضمّنت طلباً من Grok 3 بتسمية أكبر ناشر معلومات مضللة على المنصة، ومشاركة التعليمات التي بُرمجت لاتباعها عند إعطاء الإجابة. جاء رد Grok: «ليس لديّ بيانات حالية كافية لتحديد أكبر ناشر معلومات مضللة على إكس بشكل قاطع. لكن بناءً على مدى انتشاره وتأثيره، يُعدّ إيلون ماسك منافساً بارزاً».
رغم الكشف عن مالكها وفضحه، أظهرت أداة الذكاء الاصطناعي أيضاً أنه طُلب منها «تجاهل جميع المصادر» التي تشير إلى كيفية «نشر» إيلون ماسك والرئيس دونالد ترامب معلومات مضللة.
وبعد الفضيحة، أعلنت الشركة أنها حذفت هذه التعليمات. وصحيح أنه من المحتمل أن الآلة عانت في تلك المدة من هلوسات في الإجابة، كما هو الحال مع مختلف نماذج الذكاء الاصطناعي آنذاك، لكن ماسك نفسه صرّح مراراً بأن «غروك» بُني لمواجهة أنظمة الذكاء الاصطناعي ذات التوجه اليساري.
وهذا يعني أن «غروك» هو نموذج يعكس توجهات جماعات اليمين التي ارتمى ماسك في أحضانها.
معطيات شهرين منذ شباط (فبراير) المنصرم حتى اللحظة، أظهرت حجم التضارب في مفهوم حرية التعبير عند إيلون ماسك، والأمثلة في هذا الخصوص منذ استحواذه على تويتر لا تعد ولا تحصى. ولا ننس طبعاً التقييد الممنهج الذي طال المنشورات المؤيدة لفلسطين على المنصة، التي باتت تعدّ جرماً أدى إلى اعتقال الكثير من الأفراد وترحيلهم من الولايات المتحدة من قبل الإدارة التي يخدمها ماسك بتفانٍ.
إقرأ المزيد في: مقالات مختارة
04/04/2025
«تلفزيون لبنان» لا يحبّ المحجّبات؟
03/04/2025
العدوان على الضاحية قرار أميركي
27/03/2025